محمد بن أحمد الفرغاني
15
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
محبّ عناه الحزن بسبب الحبّ وظهر بسرّ حبه بالأنين والشهقة ونحو ذلك ، وبان وصف وحدة الحبّ أيضا بذلك السبب قبل وصف الوحدة من جهات أربع : أحدها : جهة معنى الحسن ، وثانيها : جهة عدالة الصوت ، وثالثها : جهة المتكلّم بآيات سور الكلام العزيز ، ورابعها : جهة الحبّ ، فأدركت روحي وصف الوحدة من هذه الجهات وألفته عين وصف الوحدة التي ظلّت الروح محلات لظهورها وشاهدت فيه شهود الذات الأقدس ذاتها من حيث أن ذلك الشهود عينها ، وحصل مثال ذلك الشهود والذات الأقدس في الروح ، ثم سرى أثر هذا الشهود وظهور مثال الذات الأقدس به من الروح إلى القوى الأربع الباطنة ، وهي الذكر والفكر والوهم والفهم التي لكل واحد منها وجهان : وجه إلى الباطن بالإضافة إلى الروح ، ووجه إلى الظاهر بالإضافة إلى النفس ، وسرى أثر ذلك الشهود من وجوهها الباطنة إلى وجوهها الظاهرة ، فشاهد فكري حينئذ حضرة المحبوب من حيث جهة وصف وحدتها الظاهرة ، ومن جهة معنى الحسن بطرف تخيّلي الذي هو مما يلي وجهه الظاهري نزولا ، وسمع كلام تلك الحضرة الوحداني ذكري من حيث وصف وحدتها الظاهرة من جهة عدالة الصوت بسمع ذكائي وسرعة إدراكي بواسطة صفاتي نزولا أيضا ، ويدرك تلك الحضرة أيضا وهمي من حيث وصف وحدتها الظاهرة من جهة كلامها ، ويصوّرها من هذه الجهة في صورة مثالية بلا حصر فيها ، ويحضرها نزولا أيضا للنفس ، أعني لأجل أن يحصل من تلك الحضرة وشهودها بواسطة تنزل ذلك المعنى إلى الصورة مثال في النفس مطابق لمثال حاصل في الروح ، فيحسبها - أعني يعلمها - فهمي تلك الحضرة المحبوبية من جهة وصف وحدتها الظاهرة من جهة الحبّ وتقريبه المحبوب من المحبّ عند إحضار الوهم إيّاها بطريق التصوير نزولا أنها نديمتي ومحادثتي في الحسّ ، وحينئذ بسبب هذا الوجود الفهمي ، والحضور الوهمي ، والسماع الذكري ، والشهود الفكري يحصل في جميع قواي وأعضائي الباطنة والظاهرة سكر وذوق ، وطرب ورقص ، وتصفيق وغناء من غير مدامة ظاهرة وموجب خارجي للطرب والسماع والغناء ، بل طربتي هي مني ومن تناولي كؤوس العشق وأقداح الشوق ، فقلبي دائما في الحركة والرقص والخلق يحسبون ذلك مرض الخفقان ومفاصل ثديي أبدا في التصفيق ، وهم في وهم منه أن ذلك من مرض الارتعاش ، ومطربتي في ذلك كلّه روحي التي كانت سبب ورود هذه الأحوال والمشاهدات